1- �...�+ابع ا�,,بر�?�?ة
2- ع�^ا�...�,, �...ح�,ِ�?ا
مقدمة:
إنّ العبادات الّتي شرعها الله جل جلاله كثيرةٌ، وإنّ سبلها متنوّعةٌ، ولا يقدر أحدٌ على القيام بجميعها، بحيث لا يفوته منها شيءٌ، فإن فُتح للعبد بابٌ مِن أبواب العبادة أُغلقت دونه أبوابٌ أخرى، ولذا كان مِن أعظم النّعم أن يُبَارك للعبد في وقته وعُمره، وفي جسده ورزقه، حتّى يُنجز في الوقت القليل ما لا يقدر عليه غيره في وقتٍ طويلٍ، فيحصّل أعمالًا صالحةً كثيرةً في يومه وليلته، تلك هي البركة، ومعناها: "ثبوت الخير ودوامه وكثرته وتتابعه".
ولقد بارك الله عز وجل في بعض الأشهر والأيّام واللّيالي، فجعل فيها ما ليس في غيرها، وجعل شهر رمضان خير الشّهور وأعظمها بركةً، فمِن بركته فتحَ أبواب الجنّة فيه، وغَلق أبواب النّار، وسَلسلة الشّياطين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ سبحانه عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ).
فقد باركه الله عز وجل بإنزال القرآن فيه {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدّخان: 3].
وأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالسّحور، وأخبر أنّه بركةٌ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (تَسَحَّرُوا فإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً).
ومِن بركة السّحور أنّ مَن استيقظ له تهيّأ له مِن الدّعاء والاستغفار ما يعود عليه بالنّفع العاجل والآجل، فلا ينبغي للمؤمن أن يترك وقت السّحر، والأكل فيه للصّيام، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ).
والإفطار على التّمر إفطارٌ على شيءٍ مباركٍ، عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ).
فكيف نحصّلها؟ وبمَ نفقدها؟
1- منابع البرَكة
البرَكة ملكٌ لله عز وجل، يؤتيها مَن يشاء، ويمنعها عمَّن يشاء، بما تقتضي حكمته {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْماءُ، فَقالَ: (حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبارَكِ، والْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ).
فالله جل جلاله مانحها ونازعها {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} [هود: 48].
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: (... أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ).
وأرشد إلى العناية بسورة البقرة، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ). [البقرة: 804].
وبالاجتماع على الإفطار تنزل البركة، عَن وَحْشِيٍّ بن حرب رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فيه).
وأمر أن تُطْلَبَ مِن الله، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فِي الْوِتْرِ، قَالَ: قُلِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ..).
ودعا بالبركة للزّوجين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَانَ إِذَا رَفَّأَ، قَالَ: (بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ، وَبَارَكَ عَلَيْكُمْ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ).
وخصّ بعض أصحابه، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَسٌ خَادِمُكَ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ).
وكذلك فإنّ صلة الرّحم تجلب البركة وتزيد الرّزق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ).
فأعظِمْ بعملٍ قليلٍ، يجلب الخير الوفير، مِن الرّب الجليل.
2- عوامل محقِها
إنّ مَن تأمّل واقع النّاس اليوم، عرف أنّ البركة ربّما فُقدت مِن الأموال والأوقات، والأولاد والأقوات، فتجد إنسانًا دخْلهُ عالٍ يقترض مِن غيره، وتجد آخر عَقّهُ أبناؤه، وثالثٌ يشكو مِن سرعة انقضاء وقته دون إتمام عمله، وإنّ المؤسف جدًّا أنّ كثيرًا منهم لا يتنبّه لغياب البركة، والّتي ما نُزعت إلّا بسبب ضعف الإيمان، وانتشار الفواحش والعصيان {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].
وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ لِلْخَطِيئَةِ يَعْمَلُهَا).
فقد فشا التّعامل بالرّبا {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].
وكثُرَ حلف الأيمان الكاذبة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ).
وظهر الكذب في المعاملات، عَن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقا) -أَوْ قَالَ: (حَتَّى يتفَرَّقَا)- (فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا).
وزاد الحرص على الدّنيا، فدفع هذا الجشع صاحبه إلى تضييع فرائض الله، ثمّ حرمان البركة، عَنْ حَكِيمَ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ).
ولمّا منع قومٌ الفقراء نصيبهم عجّل الله عقابهم {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [القلم: 19-20].
فالبخيل محرومٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا).
كما يجدر تنبيه الموظّفين والعمّال إلى إتقان عملهم؛ حتّى يبارك الله لهم.
خاتمةٌ:
ما أشدّ حاجة المسلم إلى البركة في وقته وماله وولده وعمره، حتّى يحقّق مِن الإنجازات والأعمال النّافعة ما لا يستطيع غيره أن يحقّقها في الوقت نفسه، فإذا دخلتْ البركة في عملٍ جعلته مثمرًا ولو كان قليلًا بسيطٍا، وكلّها مِن الله جل جلاله وبيده، فله كلّ كمالٍ، ومنه كلّ خيرٍ، تبارك اسمه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، وإن فُقدتْ مِن عملٍ أصبح عقيمًا ولو كان كثيرًا عظيمًا، فإن رجعت الأمّة إلى ربّها بالتّوبة الصّادقة والإنابة الخالصة، حصلت لها البركات العظيمة، والخيرات الوفيرة {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].
ومَن قرأ سيرة السّلف الصّالح مِن الصّحابة والتّابعين، والعلماء العاملين، أخذته دهشةٌ مِن كثرة ما حقّقوه مِن فتوحاتٍ ومؤلّفاتٍ، نحتاج إلى أضعاف أعمارنا لنحقّق جزءًا منها، ويكمن سرّ ذلك في البركة الّتي أكرمهم الله عز وجل بها في أوقاتهم وأعمالهم، البركة الّتي بات الكثير يفتقدها اليوم، بسبب الإعراض عن الرّحمن، واتّباع الهوى والشّيطان، حيث إنّ المعاصي سبب البلايا والمصائب {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشّورى: 30].
فلنَعدْ لربّنا، لنحظى ببركات شهرنا، فهو شهرٌ مبَارك بما يقوم به الصّائمون مِن أعمالٍ صالحةٍ تقرّبهم إلى الله تعالى، فينالون بها السّعادة في الدّنيا، ويفوزون بالجنّة في الآخرة، وهو بركةٌ على الفقراء بما يظهر فيه مِن إحسانٍ لهم، وتفقّد أحوالهم، كما أنّه بركةٌ على الأغنياء بما يبذلون فيه مِن الصّدقات، فلنجتهد فيه اجتهادًا كبيرًا، حتّى نفوز مع الفائزين، فمَن فاتته بركات هذا الشّهر فهو المحروم حقًّا.