1- ا�,,�...�?ا�...�'ُ ا�,,جِسا�...
2- حز�...�OE �^حس�...�OE
مقدمة:
البداية مِن العراق، مِن قلعة تكريت الواقعة بين بغداد والموصل، حيث تولّى جدّ صلاح الدّين -وهو مِن الكرد- منصبًا إداريًّا في القلعة، وعلا شأنه فيها، وخلفه مِن بعده في القلعة ابناه: أيوب نجم الدّين وشِيرْكُوه أسد الدّين، ولمّا كان دوام الحال مِن المحال نشب خلافٌ بين شيركوه الأيّوبيّ وأحد الأمراء في تلك القلعة، انتهى بجلاء الأيّوبيّين عنها، فاختاروا الموصل حيث يحكم عماد الدّين زنكي -وهو مِن التّرك-، وفي ليلة الجلاء وُلد يوسف صلاح الدّين (532ه)، وجعل يبكي وهم خارجون، فهمّ به أبوه أيوب أن يقتله، لكنّه أحجم بعد سماع النّصح.
استقبل عماد زنكيّ الأيوبيّين، وأحسن إليهم، وأقطعهم لِـما أحسنوا إليه مِن قبل إذ كانوا في تكريت، وكبرت دولة الزّنكيّين وعظمت في زمن نور الدّين محمود، حتّى حكمت حلب ودمشق، وكبر معها شأن الأيوبيّين قادةً في الدّولة الزّنكيّة، فكانوا في بعلبك حيث كان نجم الدّين والد صلاح الدّين واليًا عليها بعد فتحها (534ه)، وفي دمشق نشأ صلاح الدّين وترعرع وتعلّم وتأدّب، لذا يحقّ للشّام أن تفخر وتعتزّ بهذه النّبتة الّتي استحالت شجرةً باسقةً تظلّل أغصانها مناطق واسعةً مِن بلاد الإسلام، وترفع الظّلم عن مقدساتها.
تسلّم صلاح الدّين منصب قائد شرطة دمشق عند الزّنكيّين، واستبشر النّاس به خيرًا.
فقال الشّاعر:
رويدكمُ يا لصوص الشّآم فإنّي لكمْ ناصحٌ في المقال
أتاكمْ سميّ النّبيّ الكريم يوسف ربّ الحجا والجمال
فذاك يقطّع أيدي النّساء وهذا يقطّع أيدي الرّجال
1- المهامُّ الجِسام
في نقلةٍ نوعيّةٍ ومهمّةٍ جدًا في حياة صلاح الدّين وفي خبراته العسكريّة والإداريّة والسّياسيّة أتاه الأمر بالتّوجّه إلى مصر برفقة عمّه أسد الدّين شيركوه، وسبب توجّههما مع العسكر إلى مصر ما نشب مِن خلافٍ بين وزيري مصر ضرغام وشاور، حيث غلب ضرغامُ فاستنجد شاور بالزّنكيّين واستعداهم على ضرغام، فأنجده محمود الدّين زنكيّ وأرسل معه جيشًا يرأسه شيركوه وابن أخيه يوسف صلاح الدّين، وذلك بتاريخ (7 ذو الحجّة 588ه)، ثمّ عاد الجيش إلى الشّام.
بعد أن انتصر شاور بالجيش الشّاميّ على غريمه ضرغام خاف مِن عسكر الشّام أن يرجعوا، فقرّر الاستعانة بالصّليبيّين (562ه) الّذين يحتلّون ساحل بلاد الشّام ويقيمون فيه مملكةً وإماراتٍ صليبيّةً، فقدم الصّليبيّون وقد وعدهم شاور بحكم مصر إن نصروه على أسد الدّين وابن أخيه، فعاد صلاح الديّن وعمه بالجيش مِن الشّام إلى مصر، ونشبت معارك بين جيش الشّام والصّليبيّن، وانتهت باتّفاقهما على التّخلّي عن مصر كليهما وعودة أسد الدّين وجيشه إلى الشّام، وعودة الصّليبيّين إلى إماراتهم.
نكث الصّليبيّون عهودهم وتوجّهوا إلى مصر راجين السّيطرة عليها، فاستنجد الحاكم الرّافضيّ العاضد ووزيره شاور بالزّنكييّن فأنجدهم نور الدّين محمود الزّنكيّ بالجيش يرأسه شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدّين (564ه)، فنصر الله المسلمين على الصّليبيّين، وعلِم شيركوه أنّ شاور يلعب على الحبال، فتارةً ينتصر بالصّليبيّين على المسلمين وتارةً العكس، وعينُ شاور على ملكه لا غير، فعزم على التّخلّص منه، وتمّ له ذلك، فعيّن الخليفة الرّافضيّ العاضدُ أسدَ الدّين وزيرًا له، فصار ملْك مصر الفعليّ في يد الأسرة الأيّوبيّة، أسد الدّين وزيرًا، وصلاح الدّين مباشرًا لأمور الإدارة والسّياسة.
ثمّ ما لبث أسد الدّين أن توفّي، فتسلّم الوزارة مِن بعده يوسف صلاح الدّين، وبذلك يبدأ حكمه الرّسميّ والفعليّ لمصر، وقد نصر فيها مذهب أهل السّنّة، وشنّ الغارات على ثغور الصّليبيّين حتّى أحسّوا بالخطر مِن سلطانه.
لمّا رأى الصّليبيّون بأس صلاح الدّين واستقرار مصر في يده أرادوا أن يتخذوا موضع قدمٍ لهم فيها، فقصدوا دمياط على السّاحل المصريّ، ولمّا علم صلاح الدّين قصدهم زوّد دمياط بالرّجال والسّلاح والغذاء، ووعدهم أن ينصرهم إن قدم العدوّ، وفعلًا لمّا قدم العدوّ تصدّى له الأبطال مِن داخل دمياط، وأغار عليهم جيش المسلمين مِن خارجها، حتّى كتب الله النّصر لعباده المسلمين، فكانت فاتحة انتصارات صلاح الدّين على الصّليبيّين.
ثمّ طلب صلاح الدّين أباه مِن الشّام، فأتى إليه إلى مصر، ولم يلبث العاضد أن قضى عام (567ه)، وكان قد زال ملك الرّافضة قبيل وفاته، إذ قطع صلاح الدّين الخطبة عن الفاطميّين، وخطب باسم خليفة المسلمين العبّاسيّ المستضيء.
2- حزمٌ وحسمٌ
واجهت القوافل الّتي تريد العبور إلى مصر مشاكل متعلّقة بأمن طريقها مِن الأردن، حيث كان الصّليبيّون يضيّقون الطّريق ويقطعونه، فحشد صلاح الدّين وخرج إليهم، لكنّه رجع بغير نصرٍ، وعلم بوفاة والده نجم الدّين إثر وقوعه عن ظهر الفرس.
وفي ذات السّنة (569ه) ظهر في اليمن المدعوّ عبد النّبيّ، فخطب لنفسه، فسيّر له صلاح الدّين جيشًا بقيادة أخيه توران شاه، فانتصر عليه واستقرّ له الأمر.
وفي ذات السّنة توفّي كذلك محمود نور الدّين زنكيّ آخر حكّام الدّولة الزّنكيّة الأقوياء، وبوفاته يمكن القول إنّ دولة الأيّوبيّين قد بدأت ودولة الزّنكيّين قد دالت، حيث كان قد ظهر نوع خلافٍ بين الأيّوبييّن في مصر وبين الزّنكيّين في الشّام، إذ شعر الزّنكيون بتعاظم قوّة صلاح الدّين وكثرة جنده، فخافوا مِن استقلاله بمصر، وحصل جفاءٌ بين نور الدّين محمودٍ قبيل وفاته وصلاح الدّين يوسف، ولم يعقِب نورَ الدّين خلفٌ قويٌ يحفظ للزّنكيّين سلطانهم الواسع في بلاد الشّام.
وفي ذات السّنة ثار على صلاح الدّين في أسوان رجلٌ مِن المصريّين جمع حوله السّودان وحاول انتزاع السّلطة مِن صلاح الدّين، لكنّ صلاح الدّين سيّر إليه جيشًا بقيادة أخيه سيف الدّين، فهزم المتمرّدين وأعاد الأمور إلى نصابها سنة (570ه).
قبل أن يتوجّه صلاح الدّين إلى الشّام ليجمع شمل الأمّة ويوحّد كلمتها، علم الفرنجة سنة (570ه) بالاضطرابات الحاصلة في البلاد فتوجّهوا إلى الإسكندريّة، يريدون استغلال الظّرف المواتيّ، لكنّ صلاح الدّين توجّه إليهم بعسكره، ففرّوا هاربين وخلّفوا وراءهم مِن آلات الحرب ما خلّفوا.
ثمّ عزم صلاح الدّين على المسير إلى الشّام لما بلغه مِن تولّي إسماعيل بن نور الدّين محمودٍ الحكمَ وهو يومئذٍ حدَثٌ صغير السّنّ، فخاف على البلاد أن تضيع، فسار إلى دمشق حتّى دخلها وفرح بالدّمشقيّين وفرحوا به، ثمّ توجّه شمالًا يريد حمص فحماة فحلب، لكنّ الزّنكيّين -وكان فيهم قوّةٌ في الموصل- حشدوا له واجتمعوا ودارت الحرب بين الطّرفين حتّى انتصر صلاح الدّين، ثمّ كانت وقعةٌ ثانيةٌ مع الزّنكيّين انتصر كذلك فيها صلاح الدّين بعد معركةٍ لم تكن سهلةً، وبعد مدٍّ وحسرٍ في النّفوذ وتفاهماتٍ ومواجهاتٍ آل الأمر إلى الأيّوبيّين في بلاد الشّام ومصر واليمن، وبقيت الموصل زنكيّةً.
وفي عام (579ه) حشد السّلطان صلاح الدّين الأيّوبيّ جنده في بلاد الشّام وسار بهم إلى القصير في ريف حمص ثمّ بيسان ثمّ جالوت، وهو في مسيره ينتصر ويغنم ويخشى العدوُّ الصّليبيّ أن يواجهه، ثمّ عاد إلى دمشق (يوم الخميس 24 جمادى الآخرة 579ه) بعد أن فرغ زاد المسلمين.
خاتمةٌ:
في سنة (580ه) أراد السّلطان صلاح الدّين مرّةً أخرى أن يغزو الكرك لموقعها مِن طريق القوافل إلى مصر والحجاز فحشد لذلك، فحشد الفرنجة كذلك، ولمّا علم السّلطان خلوّ السّاحل عن العسكر الفرنجيّ لانشغالهم بالدّفع عن الكرك أرسل وحداتٍ مِن جيشه إلى نابلس، فأصابوا فيها الغنائم، ثمّ عاد السّلطان إلى دمشق دون أن يتحقّق غرضه الأمّ، مكتفيًا بما غنم مِن نابلس.
لم يفرغ السّلطان صلاح الدّين مِن وقعة الكرك حتّى استجدَّت له حوادث في الجبهة الدّاخليّة مع المسلمين مِن وراء ظهره، حيث الموصل في العراق كانت ما تزال بيد الزّنكيّين الّذين أخذ منهم ملك حلب ودمشق، وبلغه خبر تجهّزهم لحربه، فسار إليهم وضرب الحصار على الموصل ثمّ أدركه المرض، فعقد اتّفاقًا مع الزّنكيّين وصاروا بموجبه تبعًا لصلاح الدّين يخطبون ويصكّون النّقود باسمه، والتزم بها الزّنكيّون فلم ينقضوها طيلة حياة السّلطان صلاح الدّين، وعاد إلى حلب ففرح النّاس بعودته وشفائه فرحًا عظيمًا، ثمّ توّجه إلى حمص فالشّام فدخلها مع فرح النّاس به وسرورهم في (2 ربيع الأول 582ه)، وبهذا نصل في سيرته إلى أعتاب معركة حطّين الشّهيرة.
هذا طرفٌ مِن سيرة قائدٍ مسلمٍ كرديٍّ انتظم تحت رايته المسلمون مِن شتّى القوميّات؛ عربًا وكردًا وتركًا، وما يزال مثواه في دمشق بجوار مسجد بني أميّة الكبير شاهدًا على اعتزاز المسلمين به، بل لا يتبادر إليهم مِن أيّ قومٍ هو، والمرجوّ اليوم مِن الأحفاد أن يجتمعوا اجتماع الأجداد، فتأمن بهم البلاد، وينعم بوحدتهم العباد (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى).
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].