1- صفات�OE ج�,,�?�,,ة�OE
2- �^�,,اء�OE صاد�,�OE
3- ز�?د�OE عج�?ب�OE
مقدمة:
في زمنٍ يسير فيه كثيرٌ من المسلمين خلف كلّ زائفٍ مِن الحضارة، ويقلّدون كلّ رمزٍ مِن رموزها، يجب أن تكون سيرة الصّحابة الأجلّاء، النّموذج الّذي يُربّى عليه شباب المسلمين وناشئتهم، إن كان المسلمون يريدون صلاحًا وعزًّا، ولذا فإنّ قراءة التّاريخ، وتأمّل سِير الغابرين، والاستفادة مِن علومهم وتجاربهم في الحياة، تنمّي العقول، وتصقل المواهب، وما التّاريخ إلّا صورٌ متكرّرةٌ، تنتقل مِن مكانٍ إلى مكانٍ، ومِن زمانٍ إلى زمانٍ، والبشر حيالها يخطئون ويصيبون، لكن مَن قرأ تاريخ السّابقين، ووقف على تجاربهم، كان عن الخطأ بعيدًا، ومِن هذا المنطلق نحتاج إلى النّظر في سِير هؤلاء الرّجال الّذين ساروا على الطّريق الصّحيحة، ولم يحيدوا عنها قيد أنملةٍ، حتّى بلغوا المنزلة، ونالوا الكرامة، رجال الصّدر الأوّل مِن هذه الأمّة، الّذين نشروا الإسلام، وصدقوا الوعد، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وهذه قطوفٌ مِن سيرة أحدهم، في فضله ومناقبه، وزهده وأخلاقه، وجهاده وتضحياته، وإيثاره وإنفاقه، كان مِن السّابقين الأوّلين، أسلم قبل دخول النّبيّ صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاد الصّحابة والتّابعين في معارك كبرى، ويكفي في فضله أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنّة، ذلكم هو أبو عبيدة عامر بن الجرّاح، أمين هذه الأمّة، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ).
وعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: جاءَ الْعاقِبُ والسَّيِّدُ، صاحِبا نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ يُرِيدانِ أَنْ يُلَاعِناهُ، قالَ: فَقَالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنا مِنْ بَعْدِنا، قالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ ما سَأَلْتَنا، وابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنا إِلَّا أَمِينًا، فَقالَ: (لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِيْنٍ)، فاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: (قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ)، فَلَمَّا قامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (هَذا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ).
1- صفاتٌ جليلةٌ
لقد كان لأبي عبيدة رضي الله عنه منزلةٌ جليلةٌ ومقامٌ رفيعٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أثنى عليه ومدحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ).
وهذا الفضل جعل عمر بن الخطّاب يحمله على استخلافه، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيدًا، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ، اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللهُ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِينًا، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ).
لكنّ أبا عبيدة رضي الله عنه توفّي في خلافة عمر بالطّاعون، ولمّا بلغ معاذًا أنّ بعض أهل الشّام استعجز أبا عبيدة أيّام حصار دمشق، ورجّح خالد بن أبي الوليد عليه، غضب معاذٌ وقال: "أبأبي عبيدة يُظنّ؟ والله إنّه لمن خيرة مَن يمشي على الأرض"، وقال عمر رضي الله عنه يومًا لجلسائه: "تمنّوا، فتمنّوا، فقال عمر: لكنّي أتمنّى بيتُا ممتلئًا رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجرّاح" وما بلغ هذه المنزلة الرّفيعة إلّا بسبقه في الإسلام، وتضحيته بالغالي والنّفيس في سبيل الله، مع زهدٍ في الدّنيا، وإيثارٍ للدّين على حظوظ النّفس، فلقد شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ مع أبي بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه، وأوّل خلافة الفاروق رضي الله عنه، حتّى كان رأس الجيش، وقائد المسلمين في وقعة اليرموك الّتي استأصل الله فيها جيوش الرّوم، وقُتل منهم خلقٌ عظيمٌ، ولقد كان له خلال جهاده الطّويل مواقف مشهودةٌ، وبطولاتٌ محمودةٌ، فقد ثبت يوم أحدٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم النّاس، وهو الّذي نزع بثنيّتيه حلقتي المغفر مِن وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثناياه، وتألّم مِن أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّ ثغره حسُن بذهابهما، حتّى قيل: "ما رؤي هتمٌ قط أحسن مِن هتم أبي عبيدة".
هذا مثلٌ يضربه أبو عبيدة في محبّته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفدائه له بكلّ شيءٍ، فليقتدِ به المحبّون.
2- ولاءٌ صادقٌ
لقد ضرب أبو عبيدة مثلًا عاليًا في ولائه لله ورسوله، ولقد دلّ بهذا المثل على أنّ دِين الله في قلبه أهمّ مِن أيّ شيءٍ آخر، فالمؤمن الصّادق لا يوالي إلّا في الله، ولا يعادي إلّا فيه، وهذا ما فعله أبو عبيدة حين حوّل الإيمان إلى واقعٍ محسوسٍ، حينما قتل أباه في غزوة بدرٍ على الشّرك، عن عبدالله بن شوذب قال: "جعل أبو أبي عبيدة يتصدّى لأبي عبيدة يوم بدرٍ فجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلمّا أكثر، قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
يقتل أبو عبيدة أباه في أوّل معركةٍ في الإسلام بين الإيمان والكفر، ليُثبت أنّ دِين الله لا هوادة فيه، وليُدخل الرّعب في قلوب المشركين، وليعلّمهم أنّ المؤمنين يضحّون بأقرب قريبٍ، وبكلّ شيءٍ في سبيل الله، وإنّ هذا لهو الإيمان واليقين، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك إيثار دِين الله على حظوظ النّفس وهواها، وهل يحقّق ذلك إلّا الخُلّص مِن عباد الله؟! روى موسى بن عقبة: "أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه استمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السّلاسل، فانتدب أبا بكر وعمر في سريّةٍ مِن المهاجرين، فأمّر نبيّ الله عليهم أبا عبيدة، فلمّا قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أميركم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة، فقال عمرو: إنّما أنتم مددٌ أُمددت بكم، فلمّا رأى ذلك أبو عبيدة -وكان رجلًا حسن الخلق، ليّن الشّيمة، متّبعًا لأمر رسول الله وعهده- فسلّم الإمارة لعمروٍ" وفي روايةٍ: "أنّ المغيرة قال لأبي عبيدة: إنّ رسول الله أمّرك علينا، وإنّ ابن النّابغة ليس لك معه أمرٌ -يعني عمرو بن العاص- فقال أبو عبيدة: إنّ رسول الله أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيعه لقول رسول الله".
أرأيتم كيف انتصر أبو عبيدة على نفسه وهواه، ودحر الشّيطان، ولم يجعل للخلاف موضعًا، لأنّه لم يكن قلبه مائلًا لحبّ المنصب أو الإمارة، بل كان صاحب عقلٍ وحكمةٍ، لم يركن إلى الدّنيا، وهكذا كانت مجاهدة الصّحابة لأنفسهم، جعلت جيوشهم تنتصر على قوى البغي والعدوان، مِن المشركين، والمنافقين، واليهود الحاقدين، حتّى دانت لهم الفرس والرّوم، ودخلوا في دِين الله أفواجًا.
3- زهدٌ عجيبٌ
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حُصِرَ بِالشَّامِ وَقَدْ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلَةِ شِدَّةٍ إِلَّا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد: 20].
إِلَى آخِرِهَا قَالَ: "فَخَرَجَ عُمَرُ بِكِتَابِهِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَرَأَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّمَا يُعَرِّضُ بِكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنِ ارْغَبُوا فِي الْجِهَادِ".
ولمّا كان أبو عبيدة مجاهدًا حاثًّا على الجهاد، كان متقلّلًا مِن الدّنيا، همّه الآخرة، لا يدّخر شيئًا مِن المال، فقد "أرسل عمر إليه بأربعة آلاف درهمٍ، وأربعمائة دينارٍ، وقال للرّسول: انظر ما يصنع، قال: فقسّمها أبو عبيدة، قال: ثمّ أرسل إلى معاذٍ بمثلها، وقال للرّسول مثل ما قال، فقسّمها معاذ إلّا شيئًا، قالت امرأته نحتاج إليه، فلمّا أخبر الرّسول عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام مَن يصنع هذا".
فلقد كان أبو عبيدة رضي الله عنه زاهدًا في الدّنيا، وكان زهده حقيقةً لا تكلّفًا، وليس زهدًا مِن قلّةٍ، بل عن غنًى وجدَةٍ وسعةٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، حِينَ قَدِمَ الشَّامَ قَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ رضي الله عنه: اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ، قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِمَنْزِلِي؟ قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ، قَالَ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَعْصُرَ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَيْنَ مَتَاعُكَ؟ فَإِنِّي لَا أَرَى إِلَّا لِبَدًا وَشَنًّا وَصَحْفَةً وَأَنْتَ أَمِيرٌ، أَعِنْدَكَ طَعَامٌ؟ فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى جَوْنَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا كُسَيْرَاتٍ، فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّكَ سَتَعْصُرُ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَكْفِيكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا بَلَّغَكَ الْمَقِيلَ، قَالَ عُمَرُ: غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ.
فيا لَرَوعة تلك النّفوس التي ملكها أصحابها فخطموها، وألزموها كتاب الله عز وجل وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يكترثوا بالدّنيا وقد حطّت عند أقدامهم، وتملّكوها بأيديهم، وبذلك دانت لهم الأرض، وفتحوا البلاد، فأين أرباب المناصب اليوم مِن حال هذا الرّجل العظيم؟!
خاتمةُ:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى مُعَاذٌ بِالنَّاسِ، ثُمَّ مَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه، فَقَامَ مُعَاذٌ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ تَوْبَةً نَصُوحًا، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ تَائِبًا مِنْ ذَنْبِهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُجِعْتُمْ بِرَجُلٍ وَاللَّهِ مَا أَزْعُمُ أَنِّي رَأَيْتُ مِنْ عَبَّادِ اللَّهِ عَبْدًا قَطُّ أَقَلَّ غَمْزًا وَلَا أَبَرَّ صَدْرًا، وَلَا أَبْعَدَ غَائِلَةً، وَلَا أَشَدَّ حُبًّا لِلْعَاقِبَةِ، وَلَا أَنْصَحَ لِلْعَامَّةِ مِنْهُ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَصْحِرُوا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ لَا يَلِي عَلَيْكُمْ مِثْلَهُ أَبَدًا" فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَتَقَدَّمَ مُعَاذٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا أَتَى بِهِ قَبْرَهُ، دَخَلَ قَبْرَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمَّا وَضَعُوهُ فِي لَحْدِهِ وَخَرَجُوا، فَشَنُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: "يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، لَأُثْنِيَنَّ عَلَيْكَ وَلَا أَقُولُ بَاطِلًا أَخَافُ أَنْ يَلْحَقَنِي بِهَا مِنَ اللَّهِ مَقْتٌ، كُنْتُ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا: سَلَامًا، وَمَنِ الَّذِينَ إِذَا أَنْفِقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَكُنْتَ وَاللَّهِ مِنَ الْمُخْبَتِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِي يَرْحَمُونَ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ، وَيَبْغُضُونَ الْخَائِنِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ".
فهل نعتبر ونجعل هذا الصّحابي الجليل وأمثاله قدوةً لنا في الأعمال الصّالحة، والولاء المطلق، والحبّ الصّادق لله ورسوله، وقدوةً لأولادنا ومَن تولّينا، خاصّةً مع انقلاب الموازين، واختلاط المفاهيم، الّتي جعلت القدوة أسافل النّاس، وحثالة البشر مِن أرباب الشّهوات، وأهل المنكرات، وإنّنا نرجو بتذاكر أخبار هؤلاء الأعلام أن تحيا قلوبنا، وأن نعود إلى رشدنا، فنسير على الجادّة الّتي ساروا عليها، والّتي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقًا إلى الجنّة، فمَن ابتغى الجنّة في غير تلك الجادّة الّتي سار عليها القوم الأوّلون فقد أخطأ الطّريق.